الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

334

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لأنّ حكمة اللّه تقتضي المساواة في الجزاء على الأعمال المتماثلة . والاستثناء بقوله : إِلَّا كَما يَعْبُدُ استثناء من عموم المصادر . وكاف التشبيه نائبة عن مصدر محذوف . التّقدير : إلّا عبادة كما يعبد آباؤهم . والآباء : أطلق على الأسلاف ، وهم عاد وثمود . وذلك أنّ العرب العدنانيين كانت أمّهم جرهمية ، وهي امرأة إسماعيل ، وجرهم من إخوة ثمود ، وثمود إخوة لعاد ، ولأنّ قريشا كانت أمهم خزاعيّة وهي زوج قصيّ . وعبادة الأصنام في العرب أتاهم بها عمرو بن يحيى ، وهو جدّ خزاعة . وعبّر عن عبادة الآباء بالمضارع للدّلالة على استمرارهم على تلك العبادة ، أي إلّا كما اعتاد آباؤهم عبادتهم . والقرينة على المضي قوله : مِنْ قَبْلُ ، فكأنّه قيل : إلّا كما كان يعبد آباؤهم . والمضاف إليه قَبْلُ محذوف تقديره : من قبلهم ، تنصيصا على أنّهم سلفهم في هذا الضّلال وعلى أنّهم اقتدوا بهم . وجملة وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ عطف على جملة التّعليل ، والمعطوف هو المعلول ، وقد تسلّط عليه معنى كاف التّشبيه لذلك . فالمعنى : وإنّا لموفوهم نصيبهم من العذاب كما وفّينا أسلافهم . والتوفية : إكمال الشيء غير منقوص . والنصيب : أصله الحظ . وقد استعمل ( موفوهم ) و ( نصيبهم ) هنا استعمالا تهكّميا كأنّ لهم عطاء يسألونه فوفوه ، فوقع قوله غَيْرَ مَنْقُوصٍ حالا مؤكدة لتحقيق التّوفية زيادة في التهكم ، لأنّ من إكرام الموعود بالعطاء أن يؤكد له الوعد ، ويسمى ذلك بالبشارة . والمراد نصيبهم من عذاب الآخرة ، فإنّ اللّه لم يستأصلهم كما استأصل الأمم السابقة ببركة النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ قال : « لعلّ اللّه أن يخرج من أصلابهم من يعبده » . [ 110 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 110 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 110 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ . اعتراض لتثبيت النبي صلى اللّه عليه وسلم وتسليته بأنّ أهل الكتاب وهم أحسن حالا من أهل الشّرك قد أوتوا الكتاب فاختلفوا فيه ، وهم أهل ملّة واحدة فلا تأس من اختلاف قومك عليك ،